الاستهداف الجغرافي: القيمة السياسية لأماكن وجودك

ما هو الاستهداف الجغرافي؟

الاستهداف الجغرافي هو استخدام أي معلومات حول موقعك، من المدينة التي تقيم بها وحتى إحداثيات نظام تحديد الموقع «جي بي إس» الخاصة بك، من أجل استهدافك بإعلانات أو رسائل معينة. ويمكن أن يكشف موقعك الجغرافي عن محلي إقامتك وعملك وأين تذهب في عطلات نهاية الأسبوع، حيث يمكنه أن يخبر بأمور مثل روتين اللياقة الذي تتبعه، ورحلات ذهابك إلى السوبر ماركت، وترددك على دار السينما المحلية. ونظرًا لحجم ما تنطوي عليه بيانات موقعك من إمكانية للكشف عن اهتماماتك وما يحمل قيمة بالنسبة إليك، فإنها تمثل موردًا قيِّمًا بالنسبة إلى الحملات السياسية.

ولطالما مارست الحملات السياسية صورة أولية من الاستهداف الجغرافي حيث يختلف تعاملها مع المناطق ذات القاعدة الانتخابية المتأرجحة عن المناطق التي تمثل معاقل لها. واليوم، مع وفرة المعلومات السلوكية التي تتيحها بيانات الموقع، صار بإمكان الحملات أن تستهدف الناخبين بشكل أكثر دقة. وتشمل المصادر التي يمكن أن تستقي منها الأحزاب السياسية معلومات الموقع الخاصة بك، النماذج المقدمة ذاتيًّا وقوائم الناخبين المتاحة للجمهور والشركات الخاصة ووسطاء البيانات والخدمات التي تسمح باستخدام الموقع، وواجهات برمجة التطبيقات (APIs) المتصلة بتطبيقات تعتمد على الموقع، والبيانات المرخصة من مزودي خدمات الطرف الثالث. ومع زيادة عدد أجهزة رصد الموقع حول العالم، ستصبح بيانات الموقع أكثر توفرًا، وستظل الحملات السياسية قادرة على توجيه رسائلها إلى مناطق أو تجمعات سياسية أو فعاليات معينة وأيضًا إلى منازل معينة بشكل فردي بدقة متزايدة.

قد يتخذ الاستهداف الجغرافي أشكالًا شتى، ولكن هناك ثلاثة أنواع هي الأكثر استخدامًا وهي:

التسييج الجغرافي: وهو تحديد محيط افتراضي حول نقطة معينة ذات أهمية من أجل ترويج رسالة للأفراد الذين يقيمون داخل هذا المحيط فقط. ويمكن أن يوضع السياج الجغرافي حول بنايات بمفردها أو حول مناطق يقاس قطرها بعدة أميال.

استهداف عنوان بروتوكول الإنترنت: وهو استقاء معلومات تعتمد على الموقع من خلال عناوين بروتوكول الإنترنت، وتوجيه الرسائل بناءً على معلومات الموقع الخاصة بعنوان بروتوكول الإنترنت.

الاستهداف الجغرافي للهواتف المحمولة والعقارات: وهو توجيه الرسائل السياسية إلى شرائح أو مجموعات جغرافية بشكل أقل تفصيلية، ويتم ذلك من خلال البريد باستخدام الرقم البريدي أو من خلال الإعلانات الرقمية على الهواتف المحمولة.

ودائمًا ما يتم إجراء شكل من أشكال الاستهداف الدقيق المحدد جغرافيًّا في جميع أنحاء العالم من قبل أي حملة انتخابية تقريبًا يتوفر لديها موارد أساسية؛ فإن كل الحملات تقريبًا تستخدم المنصات التكنولوجية الشائعة في الاستهداف الجغرافي بالإعلانات، سواء على مستوى المدينة أو المقاطعة أو الحي أو المنازل الفردية. ومع التوسع في العروض التي تقدمها الشركات وخفضها تكاليف عملها في تلك الأثناء، سيكون من الحتمي أن تصبح الأشكال الأكثر تطورًا من الاستهداف الجغرافي أكثر شيوعًا.

ودائمًا ما يتم إجراء شكل من أشكال الاستهداف الدقيق المحدد جغرافيًّا في جميع أنحاء العالم من قبل أي حملة انتخابية تقريبًا يتوفر لديها موارد أساسية؛ فإن كل الحملات تقريبًا تستخدم المنصات التكنولوجية الشائعة في الاستهداف الجغرافي بالإعلانات، سواء على مستوى المدينة أو المقاطعة أو الحي أو المنازل الفردية. ومع التوسع في العروض التي تقدمها الشركات وخفضها تكاليف عملها في تلك الأثناء، سيكون من الحتمي أن تصبح الأشكال الأكثر تطورًا من الاستهداف الجغرافي أكثر شيوعًا.

كيف تُستخدم بياناتك؟

من حيث المبدأ، يمكنك تخيل بيانات الموقع الجغرافي كأسراب من النقاط تمثل أناسًا مختلفين، إذ يتنقلون على خريطة ما بين المنزل والعمل والمواصلات العامة وحفلة موسيقية ومتنزه، ثم إلى المنزل مجددًا. بمفردها، لا تعني هذه المعلومات شيئًا تقريبًا، فهي لا تصبح قيِّمة سوى عند تطبيق الافتراضات والتفسيرات عليها، والتي ربما تأتي من مصادر معلومات أخرى. فإن خط السير الذي يكشف عن تردد أحدهم على صالة الألعاب الرياضية على سبيل المثال، لا يمثل أهمية بالنسبة إلى حملة سياسية سوى عند ربطه بافتراض أو بما يثبت أن صاحبه من المولعين بالصحة. وبينما قد يكون رقمك البريدي مؤشرًا على قناعاتك السياسية، فإنه يمكن من خلال دمجه مع بيانات الموقع الخاصة بك التي قد تكشف عن ترددك على سوبر ماركت معين، أن يشير إلى موقفك من قضايا بيئية معينة. فيمكنك أن تفترض أن أحد أشكال بيانات الموقع الخاصة بك، سواء كان ذلك محل إقامتك أو إحداثيات هاتفك المحمول، يمثل موردًا بالنسبة إلى حملة سياسية ترغب في استهدافك.

وقد بدأت بعض الشركات خارج المجال السياسي بإتاحة بيانات الموقع التي تجمعها حول مستخدمي تطبيقاتها إلى الحملات السياسية على نحو متزايد، ومنها تطبيق «ويذار تشانيل The Weather Channel App» والذي تملكه شركة «آي بي إم IBM» وتطبيق «سناب شات Snapchat». فقد أعلن تطبيق «ويذار تشانيل» في عام 2012 شراكته مع شركة «چامب تاب Jumptap» والتي تتخصص في الإعلانات الخاصة بالأجهزة المحمولة، من أجل إنتاج إعلانات انتخابية. وقد أتاحت شركة «ويذار كامباني Weather Company» بيانات الموقع الخاصة بمستخدمي التطبيق للحملات السياسية، وهي البيانات التي كانت تستخدم ظاهريًّا لتقديم تنبؤات بالطقس للمستخدمين، كما أشار الموقع الإلكتروني الخاص بالشركة والذي تم إيقافه منذ ذلك الحين.

كما تستخدم الحملات السياسية بيانات الموقع التي يجمعها تطبيق «سناب شات» أيضًا. ففي الانتخابات المبكرة التي أجريت في المملكة المتحدة في عام 2017، استعان حزب العمال بتطبيق سناب شات من أجل تشجيع الشباب على التصويت بواسطة أداة بحث تساعدهم في الوصول إلى أماكن التصويت. وشوهدت هذه الرسالة 7.3 مليون مرة وقام 780,000 شخص باستخدام الأداة للتوصل إلى أماكن تصويتهم. وفي الولايات المتحدة، أطلق سناب شات حملة للتسجيل الانتخابي قبيل انتخابات الكونجرس الأمريكي لعام 2018. snap-success

قطة مصورة من تطبيق سناب شات تظهر أن حملة إعادة انتخاب «روب بورتمان» في انتخابات مجلس الشيوخ الأمريكي لعام 2016، قد استعانت بقدرات «سناب شات» في التسييج الجغرافي والتصفية الجغرافية من أجل زيادة معدل التعرف على اسم السناتور «بورتمان» ما بين الناخبين في ولاية أوهايو. ويقدر تطبيق سناب شات أن تلك الحملة أسفرت عن زيادة في المعرفة بالمرشح بنسبة 10.8%. المصدر:Snapchat

وقد بدأت الحملات الانتخابية في القيام باستهداف عناوين بروتوكول الإنترنت أيضًا. حيث قامت شركة «دي إس بوليتيكال DSPolitical»، وهي شركة استشارات سياسية مقرها في واشنطن العاصمة، باستهداف عناوين بروتوكول الإنترنت وملفات تعريف الارتباط من أجل توجيه مقاطع فيديو رقمية إلى 450,000 ناخب في الانتخابات الفيدرالية الكندية لعام 2015، ووصل عدد مرات ظهور المقاطع إلى ثمانية ملايين مرة. وتدعي الشركة أن حملاتها كانت ناجحة إلى درجة أنها شاركت منذ ذلك الحين في انتخابات بمقاطعتين كنديتين. وقد استعان الليبراليون الديمقراطيون في المملكة المتحدة في الانتخابات العامة لعام 2015 بشركة «ديچيتال إليمنت Digital Element»، والتي تسوق نفسها بأنها «الرائدة في مجال تحديد الموقع الجغرافي الخاص بعنوان بروتوكول الإنترنت عالميًّا».

بعض الأمثلة

الولايات المتحدة: عندما كانت عضوة مجلس الشيوخ الأمريكي «ليزا ميركاوسكي» تسعى إلى إعادة انتخابها في ولاية ألاسكا، قامت حملتها بتوجيه إعلان باستخدام الاستهداف الجغرافي إلى بناية واحدة. وأشار الإعلان إلى دعم «ميركاوسكي» لبناء طريق طوله 11 ميلًا عبر محمية للأحياء البرية في ولايتها، وهو مشروع كانت وزارة الداخلية، وهي الوكالة الفيدرالية التي تشرف على المتنزهات الوطنية، تعارضه في ذلك الوقت. ويبدو أن حملتها قد وضعت سياجًا جغرافيًّا حول مقر وزارة الداخلية، والذي يقع على بعد بضعة مربعات سكنية من البيت الأبيض. وظهر إعلان «ميركاوسكي» أمام الموظفين العاملين بالبناية، بينما هم يتصفحون الإنترنت أثناء راحة الغداء، سبعة آلاف مرة. وفي يناير من عام 2018، وافق وزير الداخلية رسميًّا على بناء الطريق.

غويانا: ساعدت شركة «إل تورو El Toro» لتكنولوجيا الإعلانات والتي يقع مقرها في الولايات المتحدة، في قيادة مرشح المعارضة «ديفيد جرانجر» نحو الفوز في الانتخابات الرئاسية، باستخدام خدمات استهداف عناوين بروتوكول الإنترنت الخاصة بها. فقد قامت شركة «إل تورو» كما يبدو بتحديد عناوين بروتوكول الإنترنت الخاصة بالمستخدمين وربطها بعناوين منازلهم، مما مكن حملة «جرانجر» من إرسال إعلانات مخصصة إلى المنازل والأجهزة بشكل فردي، حتى عند مغادرة المستخدمين منازلهم أو أماكن عملهم. وكان هذا النصر ملفتًا بشكل خاص لأن الحكومة في غويانا تسيطر على التلفزيون والإذاعة، مما جعلهما غير قابلين للاستخدام بالنسبة إلى مرشح المعارضة. وتزعم «إل تورو» أنها قد وظفت تقنية استهداف عناوين بروتوكول الإنترنت الخاصة بها في أكثر من ألفي عملية انتخابية، بالإضافة إلى قدرتها على استهداف الناخبين بناءً على موقعهم الفعلي في أي وقت خلال الأشهر الستة السابقة.

el-toro-1

لقطة مصورة من الموقع الإلكتروني الخاص بشركة «إل تورو» توضح زعم الشركة بأنها يمكنها استهداف الناخبين استنادًا إلى بيانات الموقع الخاصة بأجهزتهم على مدار ستة أشهر، وأن تطابقها مع عناوينهم الفعلية.
المصدر:El Toro Political Digital Advertising, El Toro Political Advocacy

فرنسا: قامت شركة «ليچيه مولير بونس LMP» بتقديم خدمات انتخابية لأكثر من ألف حملة عبر ست دول أوروبية. ونظرًا إلى أن القانون الفرنسي يحظر الاستهداف على المستوى الفردي بشكل عام، فإن الشركة قد ساعدت الحملات على تحديد المناطق الجغرافية ومراكز الاقتراع التي يجب إعطاؤها الأولوية، بناءً على ما يُعتقد أنها المناطق ومراكز الاقتراع الأكثر استعدادًا للاستجابة لأفكار مرشح معين. وعقدت شركة "LMP" شراكة مع شركة «كلاود فاكتوري Cloud Factory»، وهي شركة ذات «قوة عاملة موزعة» مقرها في نيبال، من أجل القيام بمعالجة صور جغرافية مكانية لمساعدة الحملة الرئاسية لإيمانويل ماكرون في انتخابات عام 2017 في ترتيب مراكز الاقتراع حسب الأولوية. وفي مقال منشور على إحدى المدونات يحمل عنوانًا بما يعني «حملة رئاسية فرنسية تحوز النصر باستخدام البيانات الجغرافية المكانية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي»، تصف «كلاود فاكتوري» كيف أنها ساعدت "LMP" على تخيل نتائج الانتخابات وتركيبة الناخبين الديمغرافية، واتجاهات التصويت، وغير ذلك من المعلومات التي تساعد المرشحين على فهم دوائرهم الانتخابية بشكل أعمق.

ويذكر المقال أيضًا أن الخرائط الجغرافية المكانية «بإمكانها السماح للمرشحين أن يحددوا المناطق المستهدفة والفرص المحتملة للتواصل مع الناخبين. كما يمكنها أن تساعد الموظفين الميدانيين بالحملات على التنسيق مع زملائهم في مقرات العمل من أجل تحديد المواقع الأفضل للتجمعات وغيرها من الفعاليات الانتخابية».

cloudFactoryBlogPostText

تساعد الحملات السياسية من خلال التقنيات الجغرافية المكانية المتوفرة لديها. :المصدر Cloud Factory

اعتبارات

● نظرًا إلى أن التاريخ الخاص بموقعنا يشير إلى الأماكن التي نمضي فيها أوقاتنا، وبالتبعية أنواع الأنشطة التي نحبها، فإنه يمكن أن يمثل نافذة على أجزاء حميمية وحساسة من حياتنا.

● إن بيانات الموقع الجغرافي تتاح بسهولة لأي كيان مستعد ببساطة أن يدفع ثمن الوصول إليها.

● نظرًا إلى أن بيانات الموقع الجغرافي تستمد معناها من الافتراضات والتفسيرات المبنية على أساسها، فإنها قد تكون عرضة للتحيز. وعلى الرغم من أن بعض هذا التحيز قد يكون متعلقًا بدقة الاستنتاجات التي تم التوصل إليها، فإن المثير للقلق بشكل أكبر هو أن هذه التحيزات بإمكانها تقويض الأسس الديمقراطية، كما في حالة أن يتم استبعاد بعض الناس من العملية السياسية.

● الغالبية من الناس ليسوا على دراية بالممارسات المتعلقة بالموقع الجغرافي، حتى وإن كانوا يستفيدون من تطبيقاتها التجارية.

● يتطلب الاستهداف الجغرافي أن تختار الحملات مناطق معينة لكي يتم إشراكها في مجهودات الحملة السياسية وأخرى لاستبعادها من تلك المجهودات، الأمر الذي يؤدي إلى تفاقم خطر استبعاد مجموعات بعينها من العملية الديمقراطية ككل. كما يحدد بعض مزودي الخدمات، بعض المناطق بأنها «مناطق مرتفعة القيمة»، مما يدفع البعض إلى التساؤل عن كيفية تعامل نفس تلك الجهات مع المناطق «منخفضة القيمة». بينما أكد البعض الآخر على أهمية أن يكون لدى المنظمات القدرة على إنشاء مجموعات مستبعدة لضمان ألا تصل رسائل تلك المنظمات لقطاع معين من السكان، وهو ما يثير التساؤلات حول إمكانية توظيف الاستهداف الجغرافي لقمع الناخبين أو إقصائهم.

● لقد تم بالفعل استخدام التقنيات المعتمدة على الموقع الجغرافي بطرق مثيرة للجدل. فقد تم استهداف النساء اللاتي يزرن عيادات الإجهاض في العديد من المدن الأمريكية (بما في ذلك مدينة نيويورك وسانت لويس وبيتسبيرج) بإعلانات تعتمد على التسييج الجغرافي من قبل نشطاء مناهضين للإجهاض. كما تم توثيق واقعات توجيه إعلانات من قبل بعض شركات المحاماة إلى المرضى في غرف الطوارئusa. فإن تلك الأساليب في الاستهداف الجغرافي يمكن استخدامها لأغراض مشكوك في أخلاقيتها، كما أنها لا تخضع لأي درجة تُذكر من المراقبة.

Author: Varoon Bashyakarla